الغزالي

89

إحياء علوم الدين

وهذه الصفات مهلكات في أنفسها ، يجب إماطتها وقهرها ، ولا يكفي تسكينها بالتباعد عما يحركها . فمثال القلب المشحون بهذه الخبائث ، مثال دمل ممتلئ بالصديد والمدة وقد لا يحس صاحبه بألمه ما لم يتحرك ، أو يمسه غيره ، فإن لم يكن له يد تمسه ، أو عين تبصر صورته ، ولم يكن معه من يحركه ، ربما ظن بنفسه السلامة ، ولم يشعر بالدمل في نفسه واعتقد فقده . ولكن لو حركه محرك ، أو أصابه مشرط حجام ، لا نفجر منه الصديد وفار فوران الشيء المختنق إذا حبس عن الاسترسال . فكذلك القلب المشحون بالحقد والبخل ، والحسد ، والغضب ، وسائر الأخلاق الذميمة ، إنما تتفجر منه خبائثه إذا حرك . وعن هذا كان السالكون لطريق الآخرة ، الطالبون لتزكية القلوب ، يجربون أنفسهم . فمن كان يستشعر في نفسه كبرا سعى في إماطته ، حتى كان بعضهم يحمل قربة ماء على ظهره بين الناس ، أو حزمة حطب على رأسه ويتردد في الأسواق ، ليجرب نفسه بذلك . فإن غوائل النفس ومكايد الشيطان خفية ، قل من يتفطن لها . ولذلك حكي عن بعضهم أنه قال أعدت صلاة ثلاثين سنة ، مع أنى كنت أصليها في الصف الأول ، ولكن تخلفت يوما بعذر ، فما وجدت موضعا في الصف الأول ، فوقفت في الصف الثاني ، فوجدت نفسي تستشعر خجلة من نظر الناس إلىّ ، وقد سبقت إلى الصف الأول ، فعلمت أن جميع صلواتي التي كنت أصليها كانت مشوبة بالرياء ، ممزوجة بلذة نظر الناس إلىّ ، ورؤيتهم إياي في زمرة السابقين إلى الخير ، فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإظهارها ولذلك قيل السفر يسفر عن الأخلاق ، فإنه نوع من المخالطة الدائمة . وستأتي غوائل هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات ، فإن بالجهل بها يحبط العمل الكثير ، وبالعلم بها يزكو العمل القليل . ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل . إذ يستحيل أن يكون العلم بالصلاة ولا يراد إلا للصلاة ، أفضل من الصلاة . فإنا نعلم أن ما يراد لغيره ، فإما ذلك الغير أشرف منه . وقد قضى الشرع بتفضيل العالم على العابد ، حتى قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » فمعنى تفضيل العلم يرجع إلى ثلاثة أوجه .